صراع العمالقة: كيف فجرت أغنية "علي صوتك" أزمة دامت 3 أشهر بين يوسف شاهين وكمال الطويل؟
الكاتب
Tamer Nabil Moussa
السبت 7 فبراير 2026
0
صراع العمالقة: كيف فجرت أغنية "علي صوتك" أزمة دامت 3 أشهر بين يوسف شاهين وكمال الطويل؟
صراع العمالقة: كيف فجرت أغنية "علي صوتك" أزمة دامت 3 أشهر بين يوسف شاهين وكمال الطويل؟
تظل كواليس السينما المصرية مليئة بالأسرار التي تكشف عن مدى الدقة والحرص الذي كان يتمتع به جيل العمالقة في خروج أعمالهم للنور. ومن بين أكثر القصص إثارة، تلك التي دارت خلف ستار فيلم"المصير" (1997)، وتحديداً حول الأغنية التي أصبحت نشيداً للحرية والبهجة في الوطن العربي: "علي صوتك بالغنا"، التي أداها "الكينج" محمد منير.
في هذا التقرير، نستعرض تفاصيل الصدام الفني الذي وقع بين مخرج السينما العالمي يوسف شاهين، والموسيقار العبقري كمال الطويل، وهو الخلاف الذي استمر لثلاثة أشهر وكاد أن يصل إلى ساحات القضاء بسبب "ثوانٍ من الصمت".
صراع العمالقة: كيف فجرت أغنية "علي صوتك" أزمة دامت 3 أشهر بين يوسف شاهين وكمال الطويل؟
فيلم "المصير".. صرخة في وجه التطرف
قبل الدخول في تفاصيل الأزمة، يجب أن نفهم سياق فيلم "المصير". الفيلم الذي قدمه يوسف شاهين ليرد به على تيارات التطرف في التسعينيات، مستخدماً شخصية الفيلسوف ابن رشد كرمز لإعمال العقل. كانت الموسيقى والأغاني في الفيلم، التي وضع ألحانها كمال الطويل، جزءاً لا يتجزأ من الرسالة الدرامية، وكانت أغنية "ترقص؟.. أرقص" (المعروفة بـ "علي صوتك") هي الذروة العاطفية للعمل.
شرارة الخلاف: لحن كمال الطويل أم رؤية شاهين؟
روى المنتج غابي خوري، ابن شقيقة يوسف شاهين وشريكه في الإنتاج، تفاصيل هذه الأزمة التي تعكس "عناد المبدعين" في سبيل الوصول للكمال. بدأت المشكلة عندما استمع شاهين للحن الذي وضعه كمال الطويل لمقطع البداية في الأغنية: "ترقص؟.. أرقص.. غصب عني أرقص".
وجهة نظر كمال الطويل (الموسيقار)
كان كمال الطويل يرى بعبقريته الموسيقية أن جملة "ترقص؟" يجب أن يتبعها فاصل موسيقي (ترارام ترارام) يمهد للرد بكلمة "أرقص". كان يرى أن الانسيابية الموسيقية تقتضي عدم قطع الإيقاع، وأن الأذن الموسيقية تحتاج لهذا الربط اللحني لتكتمل البهجة في الأغنية.
وجهة نظر يوسف شاهين (المخرج)
أما يوسف شاهين، "الجو" كما كان يلقب، فكانت رؤيته درامية بحتة. كان يصر على أن تأتي كلمة "ترقص؟" متبوعة بـ سكون تام وصمت مطبق لعدة ثوانٍ، قبل أن ينطلق محمد منير في الرد بكلمة "أرقص". كان شاهين يريد لهذا الصمت أن يجسد لحظة التردد، ثم اتخاذ القرار بالتحدي والرقص رغم الألم والحريق الذي يلتهم الكتب في سياق الفيلم.
ثلاثة أشهر من "الأرق" والتهديد بالسجن
وصل الخلاف إلى ذروته عندما توقف العمل على الأغنية تماماً. يروي غابي خوري أن يوسف شاهين اتصل به ذات يوم قائلاً بالفرنسية: "الموضوع مش ماشي خالص مع كمال الطويل"، وأخبره بأنه لم ينم منذ ثلاثة أشهر بسبب هذا الخلاف الموسيقي.
طلب شاهين من خوري التدخل وإبلاغ الطويل بضرورة تنفيذ رؤية المخرج. وعندما اتصل خوري بالموسيقار كمال الطويل، جاء الرد صادماً وعنيفاً، حيث قال الطويل: "لو لمست الموسيقى أنت وخالك هحبسكم". كان الطويل يعتبر أي تغيير في النوتة الموسيقية التي وضعها اعتداءً على ملكيته الفكرية وإفساداً للعمل الفني.
العقد شريعة المتعاقدين.. كيف حُسم الصراع؟
أمام إصرار كمال الطويل وتهديده باللجوء للشرطة والقضاء، اضطر غابي خوري للبحث عن مخرج قانوني. وبالفعل، تمت مراجعة العقود الموقعة، ووجد خوري ثغرة أو بنداً ينص على أنه "في حال حدوث خلاف فني داخل سياق الفيلم، يكون الرأي النهائي للمخرج".
كان هذا البند هو "قارب النجاة" الذي استخدمه شاهين لفرض رؤيته. تم إبلاغ الطويل بأن القانون في صف المخرج داخل العمل السينمائي، وهو ما اضطر الموسيقار الكبير للقبول على مضض، مع الحفاظ على كرامته الفنية.
النتيجة: نسختان من الأغنية وتاريخ لا ينسى
لحل هذه المعضلة وإرضاء الطرفين، تم اتخاذ قرار ذكي:
نسخة الفيلم: تم تنفيذها برؤية يوسف شاهين، حيث نجد "السكتة" الشهيرة بعد سؤال "ترقص؟"، وهي النسخة التي خلدتها السينما وامتزجت بدموع ورقص أبطال الفيلم فوق الحريق.
النسخة الإذاعية (الألبوم): تم تنفيذها برؤية كمال الطويل، وهي النسخة التي تتضمن الفاصل الموسيقي، والتي كانت تبث عبر الإذاعات والشرائط الغنائية.
لماذا نعتبر هذا الخلاف "ظاهرة صحية"؟
إن صراع يوسف شاهين وكمال الطويل لم يكن خلافاً شخصياً، بل كان صراعاً بين رؤيتين إبداعيتين:
رؤية العين (المخرج): التي ترى الأغنية كجزء من حكاية وصورة وحالة نفسية.
رؤية الأذن (الملحن): التي ترى الأغنية كبناء هندسي صوتي يجب ألا يُخدش.
هذا النوع من الدقة والمحاربة من أجل "ثانية صمت" هو ما جعل فيلم "المصير" وموسيقاه يعيشان لأكثر من ربع قرن دون أن يفقدا بريقهما. لقد أنتج هذا الصدام واحدة من أشهر الأغاني في تاريخ السينما العربية، وأثبت أن الفن العظيم يولد من رحم المعاناة والاختلاف.